ابن ظهيرة
138
الجامع اللطيف
أنه دخان قريش هذا . والصحيح أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ . ويعترى المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص ، كذا في « المدارك » والحنيذ المشوى على حد قوله تعالى : جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ( سورة هود : 69 ) والخصاص : الخلل . يقال للفرج التي بين الأثافى خصاص . كذا في « الصحاح » . وعنه صلى اللّه عليه وسلم أن أول آيات الساعة الدخان وأنه يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين ليلة ، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام ، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره . وقوله : كانَتْ آمِنَةً أي من القتل والسبي ، وقوله : مُطْمَئِنَّةً لا يزعجها خوف ، لأن الطمأنينة مع الأمن والانزعاج والقلق مع الخوف ، وقوله : يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً أي واسعا ، وقوله مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من كل بلد على حد قوله تعالى : يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ( سورة القصص : 57 ) ومعنى الكلية : الكثرة . كقوله : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ( سورة النمل : 23 ) وقال تعالى مخاطبا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ( سورة النمل : 91 ) قال المفسرون : معناه قل يا محمد إنما أمرت أن أخص اللّه تعالى بعبادتي وتوحيدي الذي هو رب هذه البلدة يعنى مكة المشرفة . وخصها بالذكر دون غيرها لأنها مضافة إليه وأحب البلاد وأكرمها عليه ، وأشار إليها إشارة تعظيم لأنها موطن بيته ومهبط وحيه . ومعنى حرمها ، يعنى جعلها حراما آمنا لا يسفك فيه دم ولا يظلم فيه أحد ، وقال تعالى : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ( سورة البلد : 1 ، 2 ) وقال تعالى : وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ( سورة التين : 3 ) المراد مكة لأمن الناس فيها جاهلية وإسلاما . ومعنى القسم به في الموضعين التنويه بشأنه والإبانة عن شرفه لما أنه مكان البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد سيد المرسلين ومبعث خاتم النبيين . وقال تعالى : وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا ( سورة القصص : 57 ) قال المفسرون : المراد مكة ، وسبب نزولها أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إنا لنعلم أن ما تقوله حق ولكن نخشى إن اتبعناك على دينك أن تخرجنا العرب من أرضنا يعنى مكة .